العصر البطولي وما تلاه
كثيراً ما ينظر المسؤولون الأمريكيون المنخرطون حالياً في الدبلوماسية العربية الإسرائيلية إلى سبعينيات القرن العشرين بحنين وبشيء من الحسد. صحيح أنها كانت فترة صعبة، بما شهدته من حظرين نفطيين، وأقطاب نفط متغطرسين، وشعور عام بأن أمريكا في تراجع. لكنها كانت أيضاً عصراً بطولياً، سنوات النشوة التي حقق فيها الدبلوماسيون الأمريكيون بعضاً من أعظم نجاحاتهم: الكيلومتر 101، واتفاق سيناء الأول، وفض الاشتباك السوري الإسرائيلي، واتفاق سيناء الثاني، وكامب ديفيد، ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وفض الاشتباك الضمني بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1981، وإجلاء منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت.
بدأ العصر الذهبي بعد أيام قليلة من انتهاء حرب أكتوبر 1973؛ وفي ذروته، كان بطله هنري كيسنجر متنقلاً بين القدس والقاهرة ودمشق، ثم جيمي كارتر معتكفاً في غابات ميريلاند مع زعيمي إسرائيل ومصر. وانتهى ذلك العصر فجأة في مارس 1979 بتوقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في حديقة البيت الأبيض.
ولم تثمر الجهود الأمريكية اللاحقة عن شيء. ففي سبتمبر 1982، طرحت الحكومة الأمريكية خطة ريغان (وهي محاولة لربط الفلسطينيين بالأردن)، لكن هذا الاقتراح الطموح لم يصل إلى أي نتيجة، وأوضح فشله كيف انقضى عصر الإنجاز الأمريكي الكبير في الشرق الأوسط. وجاء تأكيد آخر في أبريل ومايو 1983، حين زار وزير الخارجية جورج شولتز 14 مدينة في 14 يوماً، متنقلاً بين خمس دول في الشرق الأوسط في محاولة للتوسط في اتفاق لبناني إسرائيلي.
ومع أن جهود شولتز ضاهت أياً من جهود كيسنجر، فإن رحلاته تكاد تُنسى اليوم لأن الاتفاق الذي تمخضت عنه، والمعروف باتفاق 17 مايو، أُلغي في غضون عام. وبتعبير تلك الأيام، كان شولتز قد «احترقت أصابعه». وكان لهذا الفشل المبكر لطموحاته في الشرق الأوسط آثار كبيرة في السنوات اللاحقة؛ فقد علّمته سنته الأولى وزيراً للخارجية احتراماً صحياً لتعقيدات المنطقة، فانسحب من الدبلوماسية العربية الإسرائيلية.
ومن المفارقات أن السنوات الأربع التالية كانت من أفضل السنوات على الإطلاق للحكومة الأمريكية في الشرق الأوسط. بل يمكن القول إنه لم يحدث قط، منذ أصبحت واشنطن لاعباً رئيسياً في المنطقة خلال الحرب العالمية الثانية، أن كانت سياستها تجاه الصراع العربي الإسرائيلي بهذا القدر من الاستقرار والنجاح. فقد بدا أن واشنطن أدركت أخيراً أن قوتها تكمن في التحالف مع دول المنطقة الديمقراطية، وتركيا وإسرائيل بخاصة، لا مع طائفة غريبة من الرؤساء والملوك والأمراء المستبدين. وبلغت العلاقة المتقلبة دوماً مع إسرائيل مرحلة النضج ولو لمرة؛ فلم تعد المشكلات المعتادة تسبب أزمات. وولّى «إعادة التقييم» الذي أجراه جيرالد فورد وغيره من التقلبات. والأفضل من ذلك أن المسؤولين الأمريكيين بدوا وكأنهم تعلموا أن الصراع العربي الإسرائيلي ليس المشكلة الوحيدة في الشرق الأوسط، بل ليس حتى أكبرها أو أشدها إلحاحاً.
التحول إلى الفلسطينية
للأسف، انتهى عصر الاستقرار والرؤية هذا في منتصف عام 1988 إثر تطورين: اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في ديسمبر 1987، وتخلي الملك حسين ملك الأردن عن مطالبه بالضفة الغربية في يوليو 1988. وقام شولتز بخمس رحلات إلى الشرق الأوسط في عام 1988، استغلها لتجربة نهج جديد؛ فبدلاً من التعامل مع الدول، كما في جهوده السابقة، ركّز على منظمة التحرير الفلسطينية، الطرف المعترف به على نطاق واسع بوصفه الممثل الشرعي للفلسطينيين.
وتُوّجت هذه التحركات بعد خمسة أشهر بفتح حوار أمريكي مع منظمة التحرير الفلسطينية. وغادر شولتز منصبه في يناير 1989، لكنه أورث ذلك الحوار الوليد لخلفه جيمس بيكر، بما في ذلك العودة إلى العلاقة القديمة المشحونة بالتوتر مع إسرائيل، والأوهام البالية بشأن ما يمكن أن تقدمه الحكومات العربية للولايات المتحدة.
وهكذا، لا تزال محاولة إدخال منظمة التحرير الفلسطينية في علاقة عملية مع إسرائيل محور الدبلوماسية الأمريكية الرئيسي في الشرق الأوسط اليوم. وهي التي تحدد جهود إدارة بوش في «عملية السلام». لكن «العملية» متوقفة تماماً، لأن منظمة التحرير الفلسطينية تطالب باستمرار بحكم الأرض كلها الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط، إن لم يكن أكثر. ومما يثير الإحباط العام أن عملية السلام تحولت إلى ثرثرة دبلوماسية بلا جدوى؛ بل إن ياسر عرفات يهدد بقطع المحادثات مع الحكومة الأمريكية، وهو تطور مذهل بالنظر إلى طول المدة وشدة الجهد اللذين بذلهما لإقامتها. ويبدو أن الأحداث الفعلية تجري بصورة متزايدة على الأرض: المعارك الدائرة في لبنان، والقتل الصامت لـ«المتعاونين» في الضفة الغربية، والقدرة الواضحة للإسرائيليين على التعايش مع الانتفاضة.
واستشرافاً للمستقبل، هناك كل الأسباب لتوقع استمرار إحباطات الحكومة الأمريكية ما دام الرئيس جورج بوش ووزير الخارجية بيكر يتصرفان على أساس فكرتين مشكوك فيهما، إن لم تكونا خاطئتين تماماً. فمن حيث الوسائل، تفترض واشنطن أن البعد الفلسطيني الإسرائيلي هو مفتاح الصراع؛ ومن حيث الغايات، تفترض أن حلاً وسطاً بين الإسرائيليين والفلسطينيين ممكن. وما دامت الإدارة تنطلق من هاتين الفكرتين، فمن المرجح ألا تصل دبلوماسيتها إلى أي مكان. أما إذا تخلت عنهما، فسيعود للحكومة الأمريكية دور مهم في الشرق الأوسط.
يقوم موقف واشنطن على التكافؤ الأخلاقي. فهي تدعو كل طرف إلى التخلي عن موقفه الأقصى، وترى أن الحل يقع في مكان ما بين موقفي إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. والتكافؤ الأخلاقي ضار، لأنه يؤدي إلى قسمة الفارق بغض النظر عن وجاهة كل طرف. ولهذا النهج المتوازن جاذبية واضحة للدبلوماسيين، لكنه يقود إلى منحدر زلق نحو اللاأخلاقية.
وكما هو الحال دائماً، تلاحق واشنطن بعناد ذلك الكائن الغريب المسمى عملية السلام، آملةً أن تقود العرب والإسرائيليين إلى اتفاق. لكن السنين تجاوزت هذا الجهد. فالإسرائيليون والفلسطينيون يجارون الأمريكيين لأن أحداً لا يريد أن يخسر حسن نيتهم، لكن الجميع تقريباً في الشرق الأوسط يعرفون أن الجهد ميؤوس منه، وأن المسرحية كلها خدعة.
دانيال بايبس مدير معهد أبحاث السياسة الخارجية، ومؤلف كتاب سوريا الكبرى (نيويورك: مطبعة جامعة أكسفورد، 1990).

