موقع الكتاب.
كما هي الحال مع معظم أحداث العنف السياسي المحدود، تصدّرت الأخبارَ في حينها الدراما التي امتدت أربعين ساعة على مدى ثلاثة أيام، من 9 إلى 11 مارس 1977، في مواقع متفرقة من وسط واشنطن العاصمة. غير أنها انزلقت مع مرور الوقت إلى «ثقب الذاكرة» لدى الرأي العام، ويعود ذلك جزئياً إلى شدة تعقيدها، بما انطوت عليه من أهداف متعددة (الثأر لمقتل أفراد من عائلة، ومنع عرض فيلم قيل إنه يدنّس المقدسات، ومحاربة مؤامرة يهودية مزعومة) ومواقع متعددة (مبنى حكومي تابع لمقاطعة كولومبيا، والمسجد الرئيسي في واشنطن، ومقر منظمة بناي بريث الدولية).
ولحسن الحظ، وجدت هذه الواقعة مؤرّخها الجدير بها في مفتي، أستاذ الصحافة في جامعة ريتشموند. فهو يقدّم الخلفية الكاملة للحصار، متحدثاً عن الشخصيات وأيديولوجياتها والتطورات التي بلغت ذروتها بمقتل شخصين وإصابة ثلاثة واحتجاز أكثر من مئة رهينة. ويتتبّع مفتي على وجه الخصوص ثلاث روايات: سيرة حماس عبد الخالص (واسمه عند الولادة إرنست تيموثي ماكغي، 1921-2003)، خليفة الحركة الحنفية ومرتكب أعمال العنف عام 1977؛[1] وقصة صناعة الرسالة: قصة الإسلام، وهو فيلم روائي طويل من إخراج مصطفى العقاد (1930-2005)؛ وتطوّر «أمة الإسلام» منذ بداياتها الغامضة حتى انقسامها في عهد وارث الدين محمد (1933-2008) ولويس فرخان (1930-).
ورغم أن رواية مفتي وافية ومتقنة، فإنها لا تشرح الأيديولوجيا الإسلاموية – التي كانت جديدة تماماً على الأمريكيين عام 1977 – التي حرّكت عبد الخالص والحنفيين. فعلى سبيل المثال، تبدو المعاملة الغاضبة والتآمرية والوحشية للرهائن اليهود في مقر بناي بريث كأنها جاءت من العدم، ويبدو الاعتقاد بأنهم كانوا وراء مقتل أفراد عائلة عبد الخالص ووراء الفيلم عن محمد اعتقاداً اعتباطياً إلى حد ما.
ويؤكد مفتي، لا مرة واحدة بل مرتين، أن كتابه «عمل صحفي»؛ غير أن مقابلاته الكثيرة وبحثه المعمّق وحواشيه العديدة توحي بأن الخليفة الأمريكي يتجاوز الصحافة ليصبح تاريخاً، ووثيقةً ثمينة لفهم المسيرة المضطربة للإسلام في الولايات المتحدة.
[1] «حماس» هنا (Hamaas بالإنجليزية) تهجئة بديلة لاسم «حماس» (Hamas)، كما في الجماعة الإسلاموية في غزة.

