موقع الكتاب
يوضح بشير رؤيته في الفقرة الأولى قائلاً: "دعونا نتخيل للحظة عالماً تدرب فيه المعاهد الدينية الإسلامية علماءً يتصدون بفاعلية لـ 'العبودية الحديثة' في جميع أنحاء العالم". وانطلاقاً من هذه النقطة، يطرح سؤالاً أولياً مستمداً من أفكار محمد عبده: "إذا كان الإسلام يتطلع بشغف إلى تحرير العبيد، فلماذا أمضى المسلمون قروناً في استعباد الأحرار؟". ثم يأتي سؤال ثانٍ: كيف حدث أن "الدول الإسلامية في العالم المعاصر أجمعت على رفض مؤسسة العبودية في مناسبات عديدة"؟
ورغم ما يورده بشير من إشارات أكاديمية تتماشى مع التوجهات الرائجة - مثل الاستشهاد بإدوارد سعيد وانتقاد برنارد لويس - إلا أنه يقدم تحليلاً رصيناً يستعرض التفسيرات القرآنية والأحكام الفقهية التقليدية، ثم يتناول أفكار الإصلاح بشكل عام قبل التركيز على مدرستين تفسيريتين رئيسيتين: ما يسميه "الإلغاء القرآني" و"التدرج القرآني". ويحاول القسم الأخير التوفيق بين هذه التناقضات المتعددة، مستكشفاً "أسباب استمرار وجود مثل هذه الاختلافات الواضحة بين العلماء".
ويرى بشير أن "الموقف السائد بين أتباع المدرسة 'التقليدية' (الأرثوذكسية) المعاصرين" - بمن فيهم جوناثان أ. سي. براون من جامعة جورجتاون - يتمثل في "تقييد ممارسة العبودية في العصر الحديث، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن الإسلام، من منظور النصوص الدينية، يبيح العبودية في ظروف معينة". وهؤلاء العلماء "يرفضون إدانة العبودية [لكنهم] يكتفون بالدعوة إلى تقييدها بدافع البراغماتية السياسية". وينقل بشير عن أحد العلماء وصفه لهذا المنطق بأنه بمثابة "قنابل يدوية لاهوتية" ساهمت بشكل كبير في تبرير سلوك تنظيم "داعش" الذي يعود للعصور الوسطى، وإن كان بشير يبدي تحفظاً تجاه هذه الحجة.
في المقابل، فإن المنهج الإصلاحي "لا يفترض أن جميع الأحكام القرآنية عالمية بالضرورة؛ بل يحاول التمييز بين الأحكام الثابتة وتلك التي تقبل التغيير". وعلى وجه التحديد، ينظر هذا المنهج إلى نظام الرق في الإسلام باعتباره مرحلة انتقالية نحو التحرر؛ إذ "يمكن اعتبار الروح القرآنية داعمة للحرية والتحرر، ومن ثم فإن الإسلام يسعى إلى إلغاء الرق".
"من الواضح أن كلا الادعاءين لا يمكن أن يكونا صحيحين؛ فإما أن القرآن يؤيد الرق أو يعارضه". فأي الرأيين يتبنى بشير؟ ليس مستغرباً -بالنظر إلى ما ورد في الفقرة الأولى- أن ينحاز بشير إلى الإصلاحيين؛ غير أن الأمر المثير للدهشة حقاً هو اعتماده على الناقد الأدبي غير المسلم "ستانلي فيش" -دون غيره- للتوصل إلى هذا الاستنتاج اللاهوتي.

