![]() يشير اللون الأخضر الكامل إلى أغلبية علوية، بينما يشير اللون الأخضر الجزئي إلى وجود أقلية علوية كبيرة. |
وباختصار، ظل العلويون على مر القرون أكثر المكونات الاجتماعية في سوريا عزلةً وفقراً وازدراءً واضطهاداً. ولم يتغير ميزان القوى لصالحهم إلا عندما استولى جنرالات من طائفتهم على السلطة في دمشق عام 1966. غير أن هيمنتهم القاسية على سوريا طوال السنوات الثماني والخمسين التالية دفعت الأغلبية السنية في البلاد إلى التمرد، مما أدى إلى اندلاع حرب أهلية شاملة بدأت عام 2011 وانتهت في ديسمبر/كانون الأول 2024، حين أطاح السنة بحكم العلويين واستعادوا السلطة. وتشير الأحداث الأخيرة إلى رغبة مقلقة لدى السنة في الانتقام.
اضطهاد العلويين قبل عام 1920
من المعروف أن الإسلام يقدّم نفسه على أنه الدين الخاتم؛ وبناءً على ذلك، فهو يرفض بشدة أي معتقد لاحق ينشأ من داخله، ويصنّف أتباعه كـ "مرتدين"، مما يبيح استعبادهم أو إعدامهم. (أما اليهودية والمسيحية، ونظراً لسبقهما ظهور الإسلام، فقد حظي أتباعهما بنوع من التسامح، وإن كانوا قد وُضعوا في مرتبة أدنى). وقد دأب كل من السنّة والشيعة تاريخياً على ذمّ "العلوية" -وهي ديانة جديدة ومستقلة نشأت من رحم التشيع في القرن التاسع الميلادي- واعتبروا أتباعها (المعروفين أيضاً باسم النصيريين أو الأنصاريين) مرتدين، فمارسوا بحقهم أشكالاً قاسية من التمييز.
وفي هذا السياق، كتب الفقيه البارز أبو حامد الغزالي (1058-1111م) أن العلويين "مرتدون في مسائل الدماء والأموال والزواج والذبائح، ولذا فإن قتلهم واجب". كما وصفهم أحمد بن تيمية (1268-1328م) -الذي لا يزال تأثيره قوياً ومستمراً على التيارات الإسلامية- بأنهم "أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين"، معتبراً أنهم "ألحقوا بأمة محمد ضرراً أعظم مما ألحقه الكفار المحاربون". وخلص ابن تيمية إلى أن "شنّ الحرب عليهم وإنزال العقوبات بهم وفقاً للشريعة الإسلامية يُعدّ من أعظم الأعمال الصالحة وأهم الواجبات" على المسلم.
وقد استمرت هذه النظرة حتى العصر الحديث؛ إذ كان السنّة يصفونهم بـ "القردة". كما فرضت الدولة العثمانية عليهم ضرائب إضافية. وفي القرن التاسع عشر، أصدر الشيخ السنّي إبراهيم المغربي فتوى تبيح للمسلمين الاستيلاء على ممتلكات العلويين واستباحة دمائهم. وقد دوّن الرحالة البريطاني فريدريك والبول أنه قيل له في ذلك الوقت: "هؤلاء النصيريون.. قتلُ واحدٍ منهم أفضل من الصلاة طوال اليوم".
تعرض العلويون في العصر الحديث للاضطهاد المتكرر، بل وللمذابح في بعض الأحيان، مما دفعهم إلى عزل أنفسهم جغرافيًا عن العالم الخارجي من خلال البقاء في مناطقهم الجبلية شمال غرب سوريا — الواقعة بين لبنان وتركيا — والتي تشكل اليوم محافظتي اللاذقية وطرطوس. وفي أواخر عشرينيات القرن العشرين، كان أقل من نصف بالمئة من العلويين يعيشون في المدن. وقد خلّفت هذه العزلة تداعيات مأساوية؛ إذ وصف أحد كبار مشايخ العلويين أبناء طائفته بأنهم "من بين أفقر شعوب الشرق". كما أشار الجغرافي الفرنسي جاك وولرس إلى أنهم كانوا يعيشون "حياة منعزلة يسودها الكتمان والقمع". أما صموئيل لايد، وهو مبشر أنجليكاني، فقد وصف واقع مجتمعهم بأنه "جحيم حقيقي على الأرض".
صعود العلويين إلى السلطة (1920–1970)
بدأت رحلة صعود العلويين -التي استغرقت نصف قرن- من براثن الاضطهاد إلى سدة الحكم بمقاومتهم الأولية للتوغل الفرنسي، لكنهم عادوا لاحقًا وساهموا في ترسيخ الاحتلال الفرنسي لسوريا (1920–1946) من خلال تقديم المعلومات الاستخباراتية، وتوفير أعداد كبيرة -تفوق نسبتهم السكانية- من المجندين للجيش وقوات الشرطة. وفي المقابل، منح الحكم الفرنسي العلويين حكمًا ذاتيًا وامتيازات أخرى. وبعد نيل سوريا استقلالها عن فرنسا عام 1946، قاوم العلويون في البداية سيطرة الحكومة المركزية، لكنهم بحلول عام 1954 تقبّلوا فكرة المواطنة السورية. ومن خلال استغلال وجودهم المكثف في صفوف الجيش، بدأوا صعودهم السياسي.
ومن المفارقات أن التمييز الذي أبقى العلويين في أدنى السلالم الاجتماعية كان هو نفسه العامل الذي صبّ في مصلحتهم خلال سلسلة الانقلابات العسكرية التي عصفت بسوريا بين عامي 1949 و1963. فقد شهدت تلك الفترة صراعات مدمرة على السلطة بين كبار الضباط السنّة، مما أدى إلى استنزاف صفوفهم بشكل حاد. وفي ظل بقائهم بعيدًا عن هذه الصراعات، تمكن غير السنّة -ولا سيما العلويين- من الحلول محل السنّة في المناصب التي شغلوها سابقًا. وعلاوة على ذلك، فبينما كان السنّة ينخرطون في الجيش كأفراد، كان العلويون ينضمون إليه كأعضاء في عشائر؛ حيث كان الضباط العلويون يعملون على إدخال أقاربهم وأبناء عشيرتهم إلى المؤسسة العسكرية. اكتسب العلويون السلطة أيضاً من خلال حزب البعث، الذي تأسس عام 1940، وانضموا إليه بأعداد كبيرة تفوق نسبتهم السكانية؛ ويعود ذلك جزئياً إلى أن أحد مؤسسيه الثلاثة كان علوياً، وجزئياً إلى أن اثنتين من ركائزه الفكرية —الاشتراكية والعلمانية— كانتا تحظيان بقبول واسع لديهم. فقد وفرت الاشتراكية فرصاً اقتصادية لأكثر فئات المجتمع فقراً، بينما وعدت العلمانية —أي فصل الدين عن الحياة العامة— بتخليصهم من التمييز القائم على أساس ديني.
لعب العلويون دوراً رئيسياً في انقلاب حزب البعث عام 1963، حيث استولوا على العديد من المناصب الحساسة وأقصوا منافسيهم من السنة. وبلغت هذه التطورات ذروتها في عام 1966، حين استولت مجموعة من الضباط العسكريين البعثيين -الذين كان معظمهم من العلويين- على السلطة، وعمدوا فور توليهم مناصبهم إلى استبعاد الضباط من غير العلويين. وفي الفصل الختامي لهذا الصراع، تنافس جنرالان علويان، هما صلاح جديد وحافظ الأسد، على الانفراد بالسلطة؛ وانتهى هذا التنافس بانتصار حافظ الأسد عام 1970، ليصبح رئيساً للبلاد في عام 1971. وقد أنهى هذا الحدث -الذي كان الانقلاب العسكري العاشر في سوريا خلال سبعة عشر عاماً- حقبة من عدم الاستقرار، وتوّج صعود العلويين إلى سدة الحكم.
حكم العلويين وصدمة السنة
ظل الانتماء الطائفي عنصراً بالغ الأهمية طوال فترة حكم العلويين التي امتدت لثمانية وخمسين عاماً، والتي تركزت في عهد حافظ الأسد (1970-2000) وابنه بشار (2000-2024). فقد أسس حافظ الأسد دولة بوليسية قمعية، وعزز السيطرة العلوية من خلال تعيين أبناء طائفته في القوات المسلحة، والحزب، والحكومة، والجهاز الإداري للدولة، والأهم من ذلك، في أجهزة الاستخبارات. وفي عام 2011، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن "العلويين هيمنوا على أجهزة الاستخبارات لدرجة أن الناس باتوا يخشون ذكر اسم الطائفة علناً، فاستخدموا بدلاً منه مصطلح 'الألمان' ككناية عنها". ومع مرور الوقت، ضيّق الأسد دائرة حلفائه المقربين، فلم يكتفِ بالاعتماد على أبناء طائفته فحسب، بل أحاط نفسه بأفراد من عشيرته ومن عائلته المباشرة.
شكّل السنّة نحو 70 في المئة من سكان سوريا حتى اندلاع الحرب الأهلية عام 2011 (وهو ما أدى إلى هجرتهم الجماعية). وإلى جانب أعدادهم، فقد حكموا المنطقة تاريخياً، مما رسّخ افتراضاً ضمنياً بأنهم الأحق بالتمتع بامتيازات السلطة. وكما هو حال أتباع الكنيسة الأسقفية في الولايات المتحدة، فقد نظر السنّة إلى أنفسهم بوصفهم "غير عِرقيين" (أي لا ينتمون إلى فئة عرقية محددة) داخل مجتمع متنوع. وقبل عام 1914، شغل السنّة تسعة أعشار المناصب الإدارية، وحافظوا على هيمنتهم خلال فترة الانتداب الفرنسي، ثم ورثوا السيطرة على الحكومة عند نيل الاستقلال. لكن بعد عام 1970، جرى تهميشهم إلى حد كبير، ولم يعد وجودهم في المناصب سوى واجهة صورية؛ إذ يختصر أحد قدامى العسكريين المشهد قائلاً: "كلمة نقيب علوي لها وزن أكبر من كلمة جنرال سني".
ومن الصعب المبالغة في تقدير الأثر النفسي لهذا التحول على السنّة؛ فبالنسبة لهم، كان وصول علوي إلى سدة الحكم في دمشق أشبه بتحول شخص من طبقة "المنبوذين" إلى مهراجا، أو تحول يهودي ليصبح قيصراً؛ وهو تطور غير مسبوق وصادم. ويصف مايكل فان دوسن، من مركز "ويلسون"، هذا التحول في موازين القوى بأنه "أهم حقيقة سياسية في تاريخ وسياسة سوريا خلال القرن العشرين".
الحكم العلوي والمعارضة السنية (1966–2024)
نظر المسلمون السنّة إلى القمع الشمولي الذي مارسه الأسد باعتباره قمعاً طائفياً بامتياز. وقد أثار ترسيخ السلطة العلوية عام 1966 مخاوف السنّة الدينية، وهو ما تجلى في رد فعلهم الغاضب على مقال نُشر عام 1967 وصف الإسلام بأنه "مومياء في متحف التاريخ". وقد تضمنت ردود الفعل تلك احتجاجات واسعة، واعتقالات لقادة دينيين سنّة، وإضرابات شاملة، وأعمال عنف جسيمة. وفي عام 1979، اقتربت المعارضة من الإطاحة بالنظام حين نفذت مذبحة راح ضحيتها نحو 60 طالباً عسكرياً -كانوا جميعاً تقريباً من العلويين- في إحدى الكليات العسكرية، تلا ذلك محاولة لاغتيال الأسد نفسه عام 1980.
وفي اللحظة التي بدا فيها أن النظام على وشك السقوط، رد الأسد بفعالية مدمرة. بلغت الجهود الرامية إلى القضاء على جماعة الإخوان المسلمين ذروتها في مطلع عام 1982، حين شنت القوات السورية هجوماً على مدينة حماة، مستهدفةً معاقل الجماعة باستخدام المدفعية الميدانية والدبابات والمروحيات، وبمشاركة 12 ألف جندي (كانوا جميعاً تقريباً من الطائفة العلوية). وقد أسفر ذلك عن مقتل ما يصل إلى 30 ألفاً من السنّة دون تمييز، مما وضع حداً لأي تحديات جدية واجهت النظام لنحو ثلاثة عقود تلت.
لم تختفِ المعارضة السنية خلال تلك العقود، بل أصبحت أكثر حذراً وصبراً. فقد تفاقمت مظالم السنة؛ إذ عانوا من هيمنة فئةٍ كانوا يعتبرونها أدنى منهم، وشعروا بالتمييز في تفاصيل حياتهم اليومية (مثل دفع الأسر السنية تكاليف الكهرباء بأربعة أضعاف ما يدفعه العلويون). كما عاشوا تحت وطأة ذكريات مجزرة حماة وغيرها من المذابح، وساخطين على الاشتراكية التي قلصت ثرواتهم، وعلى القادة العسكريين الذين دمروا شبكات المحسوبية والولاء الخاصة بهم، وعلى الحكم الاستبدادي الذي وأد أي تعبير سياسي، فضلاً عن شعورهم بالإهانة تجاه الإسلام، واتهامهم للنظام بالتعاون مع الموارنة والإسرائيليين.
سعت عائلة الأسد إلى تقديم نفسها على أنها مسلمة، لكن قلةً -إن وُجدوا أصلاً- من السنة السوريين صدقوا هذا الادعاء. وتشير أدلة كثيرة إلى أن السوريين السنة، وبشبه إجماع، لم ينظروا إلى الحكام بصفتهم ناطقين بالعربية، أو بعثيين، أو سوريين قوميين، أو قوميين عرباً، أو مناهضين للصهيونية، بل نظروا إليهم في المقام الأول كـ "علويين". ففي عام 1973، طالب المتظاهرون بإنهاء "السلطة العلوية". وفي عام 1976، أطلقت جماعة الإخوان المسلمين حملة عنف ضد ما وصفته بـ "الحكم الطائفي الديكتاتوري للطاغية حافظ الأسد". وفي عام 1983، اتهم "التحالف الوطني لتحرير سوريا" الأسد بـ "عداءٍ مستحكمٍ للعرب والإسلام".
![]() الملك فيصل ملك المملكة العربية السعودية (في الوسط) وحافظ الأسد (ممسكاً بسبحة) يؤديان الصلاة في دمشق، في 18 يوليو/تموز 1975. |
انعكست الأدوار والمواقف التقليدية؛ إذ باتت العداوة السنية تجاه السلطة العلوية صدىً للعداوة العلوية التاريخية تجاه السلطة السنية. ومع تراكم المظالم القديمة والجديدة، نشأت حالة من الكراهية المتبادلة بين الطرفين، مما خلق حلقة مفرغة. فكلما زاد شعور السنة بالتهميش، زاد اعتماد العلويين على أبناء طائفتهم في ممارسة الحكم. ومع اكتساب النظام طابعاً علوياً متزايداً، تعمق الاستياء في أوساط السنة.
(تجدر الإشارة هنا إلى أن الباحثين الأكاديميين المتخصصين في الشأن السوري رفضوا -بإجماعٍ يكاد يكون تاماً- ما يصفه إبرهارد كينلي، من جامعة لندن، بأنه "صورة نمطية ساذجة" تزعم أن الحكومة قائمة بالكامل من قِبل العلويين ولصالحهم، وما يسميه ألاسدير درايسديل، من جامعة نيو هامبشاير، تركيزاً "اختزالياً" على العامل الإثني).
الحرب الأهلية والعداوة السنية (2011–2024)
عندما امتدت موجة التمرد الإسلامي التي اجتاحت المنطقة عام 2011 إلى سوريا، أشعلت فتيل انتفاضةٍ مروعة استمرت 14 عاماً -غلب عليها الطابع السني- ضد حكومة بشار الأسد. وقد أسفرت هذه الحرب الأهلية عن نزوح نحو 7.5 مليون شخص داخل البلاد، ولجوء 5.2 مليون آخرين إلى الخارج، فضلاً عن مقتل ما يقرب من 620 ألف شخص. كما أدى التدخل الدولي إلى تفاقم الطابع الطائفي للصراع؛ إذ قدمت الجمهورية الإسلامية الإيرانية (ذات الغالبية الشيعية) وحزب الله اللبناني الدعم للحكومة، في حين دعمت تركيا (ذات الغالبية السنية) فصائل المعارضة.
على الصعيد الداخلي، اعتمد النظام بشكل متزايد على قاعدته العلوية، لدرجة أن السنّة أصبحوا يساوون بين مصطلح "علوي" و"مؤيد لنظام الأسد". وتذكر وكالة "رويترز" أن الأسد "أرسل وحدات من الجيش والشرطة السرية -التي يهيمن عليها ضباط علويون- إلى مراكز حضرية ذات أغلبية سنية لقمع المظاهرات المطالبة برحيله". وفي المقابل، رفض المجندون السنّة "إطلاق النار على أبناء طائفتهم"، مما جعل الجيش أداة غير موثوقة للقمع الداخلي. فحلّت محلّه "الشبيحة" -وهي قوة أمنية بملابس مدنية تتألف في غالبيتها من علويين- وتولت مهامّاً عديدة، مارست خلالها أعمال التخريب والترهيب والقتل بحرية تامة. وبدورها، شاركت "جبهة النصرة" -التي سبقت "هيئة تحرير الشام" (الحاكمة حالياً)- في ارتكاب مجازر بحق مدنيين علويين.
وقد أدت حوادث بعينها إلى تفاقم التوترات بين السنّة والعلويين بشكل مطرد. فعلى سبيل المثال، يروي لاجئون سوريون في لبنان ما يلي:
"قبل شروق شمس أحد أيام شهر أغسطس [عام 2011]، قُطع التيار الكهربائي عن إحدى القرى السورية، ثم اقتحمتها قوات مسلحة... وكان من بين المشاركين في المداهمة أشخاصٌ قال الأهالي إنهم تعرفوا عليهم؛ إذ كانوا من قرية علوية مجاورة وانضموا إلى ميليشيات موالية للأسد تُعرف بـ 'الشبيحة'... ووفقاً للعائلة، فقد اعتُقل في ذلك اليوم 75 شخصاً من أبناء القرية. أُعيدت جثث اثنين منهم إلى ذويهما، أما البقية، فلم ترد أي أنباء عن ثلاثة منهم منذ ذلك الحين".
وفي حادثة أخرى عام 2012، استهدفت "الشبيحة" شارعاً واحداً في بلدة "تلدو"، وقامت -على مرأى من الجيش- بقتل 45 فرداً من عائلة ممتدة واحدة. وتُظهر بعض التصريحات مدى حدة العداء الذي أثاره ذلك في أوساط السنّة؛
إذ قال عدنان العرعور، وهو شخصية دينية سنية، في إشارة إلى العلويين المعارضين للانتفاضة السنية: "والله لنفرمنّهم في المطاحن، ونُطعم لحمهم للكلاب".
مأمون الحمصي، قيادي سني سوري: "أيها العلويون الحقيرون... من اليوم فصاعداً، لن نبقى صامتين. العين بالعين، والسن بالسن... أقسم أنكم إن لم تتبرؤوا من تلك العصابة ومن عمليات القتل تلك، فسنلقنكم درساً لن تنسوه أبداً. سنمحو وجودكم من أرض سوريا".
محمد: "إن أفراد هذا النظام يجبروننا على كره العلويين".
مصطفى، حلاق: "لقد طوّر الأسد البلاد وحدثها من أجل نفسه ومن أجل مصالح طائفته".
فريد غادري، رئيس حزب الإصلاح السوري: الكثير من السوريين "يغلي غضباً بسبب المذابح التي ترتكبها الحكومة -التي يقودها العلويون- بحق السنة".
شريف أباظة، عضو سابق في البرلمان: "إذا كنت مسيحياً أو علوياً، فسيتم ذبحك".
ابتسام، لاجئة سنية تبلغ من العمر 11 عاماً تعيش في الأردن: "أنا أكره العلويين والشيعة. سنقتلهم بسكاكيننا، تماماً كما قتلونا".
أحمد، 12 عاماً: "يقول العلويون: 'اركع أمام حذائي'. لا يمكننا أن نكون أحراراً في ظل وجود الأسد، لأنه يقتلنا".
هيزا، 13 عاماً: "بعد الثورة، نريد قتلهم". وعندما سُئلت عما إذا كان ذلك يشمل طفلاً في مثل سنهم، أجابت هيزا: "سأقتله. لا يهم".
الحرب الأهلية ومخاوف العلويين، 2011–2024
في عام 2015، وعد أحمد الشرع -الذي برز كقيادي مستقبلي في سوريا- بحماية العلويين، ولكن بشرط أن يوافقوا على "تصحيح أخطائهم العقائدية [أي التخلي عن الديانة العلوية] واعتناق الإسلام". وأضاف أنه عندئذٍ "سيصبحون إخوتنا" وسيحظون بحمايته. ومما لا يثير الدهشة أن مثل هذه التصريحات أثارت مخاوف الطائفة العلوية الصغيرة. وصف تقرير صدر عام 2011 من مدينة حمص "حرباً طائفية مروعة" تجتاح المدينة، التي انقسمت حينها إلى مناطق سكنية علوية وأخرى سنية:
فعلى الرغم من وجود علويين يدعمون الانتفاضة، وسنة لا يزالون يساندون الحكومة، إلا أن الغالبية العظمى من كلا الطائفتين اصطفت في معسكرين متقابلين في خضم هذه الثورة. لقد جرّ الصراع في حمص الطائفتين نفسيهما إلى معركة يخشاها السكان؛ إذ يلجأ العلويون إلى ارتداء صلبان مسيحية لتجنب الاختطاف أو القتل عند مرورهم عبر الأحياء السنية الأكثر اضطراباً.
كما أدى عودة بعض السنة لاستعادة منازلهم في حمص إلى تفاقم مخاوف العلويين. وانتشرت شائعات جامحة، منها قصة -لم تثبت صحتها- عن امرأة في حمص تعمل "جزارة"، كانت تطلب من العصابات السنية المسلحة "إحضار جثث العلويين الذين يأسرونهم، كي تقوم هي بتقطيعها وبيع لحومها".
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن "كثيراً من العلويين يعيشون في حالة رعب؛ فهم غالباً ما يقعون ضحايا لأكثر الصور النمطية فجاجة، ويُربطون -في الأحاديث العامة- بشكلٍ مطلق بالقيادة السياسية". وكتب غادري أن العلويين يخشون من أن "جماعة الإخوان المسلمين تشحذ سكاكينها للانقضاض عليهم وقتلهم". وقد دفع هذا الرعبُ النظامَ إلى جعل بقائه على رأس أولوياته، كما دفع الطائفة العلوية إلى الاعتماد بشكل أكبر على النظام.
والأسوأ من ذلك أن العديد من العلويين عانوا أيضاً في ظل نظام الأسد. وتروي وفاء سلطان، وهي طبيبة تعيش في المنفى، صنوفاً من الظلم، منها الإفقار المتعمد (لضمان انخراط أبنائهم في خدمة النظام من أجل كسب عيشهم)، واضطهاد المثقفين، وسجن أقارب المعارضين. وقد ذكرت إحدى الشخصيات الدينية العلوية أن "الطائفة العلوية تعيش في حالة من الخوف الشديد"، وتوقعت أن انهيار النظام "سيجعلنا تحت رحمة أعمال انتقامية عنيفة". وفي وقت مبكر من عام 2012، تنبأ أحد المعلمين بدقة بأن نظام الأسد -الذي "يستخدمنا"- "سيهرب، وسندفع نحن ثمناً باهظاً". ورغم هذا الثمن، ابتهج كثير من العلويين بسقوط الأسد. وخلاصة القول، إن السنة نظروا إلى أنفسهم باعتبارهم يخوضون معركة ضد طغيان "كافر"، بينما رأى العلويون أنفسهم في مواجهة تهديد وجودي.
العداء السني، 2025 وما بعدها
ثم جاءت الأحداث المذهلة في أوائل ديسمبر/كانون الأول 2024، حين اجتاح الإسلاميون السنة من "هيئة تحرير الشام" -بقيادة أحمد الشرع- وحلفاؤهم الأراضي السورية بسرعة فائقة، وسيطروا على دمشق في غضون أيام. أما الأسد فقد فرّ إلى روسيا.
![]() قوات موالية لأحمد الشرع على ساحل البحر الأبيض المتوسط في اللاذقية، بتاريخ 9 مارس. |
شهدت الأشهر الثلاثة الأولى من العهد الجديد بعض أعمال الانتقام التي شنها سُنّة ضد علويين، لكنها كانت محدودة وغير منظمة؛ إذ تمثلت في عمليات فصل من الوظائف، وممارسات خارجة عن القانون، وأعمال عنف على نطاق ضيق. ففي أواخر يناير/كانون الثاني، على سبيل المثال، وثّق الصحفي السوري عمار ديوب حوادث تراوحت بين "توجيه شتائم طائفية للعلويين والشيعة، وتجميع الرجال في الساحات وجلدهم، وتحطيم أثاث المنازل، وسرقة الذهب والفضة، وارتكاب أعمال عنف ضد النساء". كما أفادت وكالة "رويترز" بوقوع حالات طرد لعلويين من منازلهم، حيث أشارت إحدى منظمات حقوق الإنسان إلى وجود "مئات، إن لم يكن آلاف، من حالات الإخلاء القسري".
وفي واقعة حدثت في 24 يناير/كانون الثاني، وصل مسلحون موالون للحكومة إلى بلدة "فاحل" -التي يقطنها غالبية من العلويين- في قافلة ضمت سيارات دفع رباعي وشاحنات صغيرة، كان بعضها مزوداً برشاشات. وبحسب وصف صحيفة "واشنطن بوست"، فقد "داهموا المنازل بيتاً تلو الآخر... وسحلوا رجالاً علويين حتى قتلوهم"، حيث قُتل 16 علوياً ممن كانوا مرتبطين بالنظام السابق، بينهم جنرال. كما أنزلوا ركاباً من إحدى الحافلات وسألوهم: "هل أنتم علويون؟"، وفي بعض الحالات، قتلوا من أجابوا بالإيجاب.
ورداً على ذلك، "لم يعترف النظام بهذه الانتهاكات، بل ألقى باللوم على أفراد أو فصائل محلية صغيرة". وعلاوة على ذلك، يذكر معهد "ميمري" (MEMRI) أن النظام "امتنع أيضاً عن الكشف عن أسماء المسؤولين عن هذه الأعمال، مما حال دون تمكّن عائلات الضحايا من اتخاذ إجراءات قانونية ضدهم". وقد أدى هذا الوضع إلى تشكيل "مجموعات مقاومة" علوية، سارع النظام إلى وصمها بـ "الموالين للأسد".
![]() تغادر قوات سنية إدلب في 8 مارس، متجهةً نحو اللاذقية لقتال العلويين. |
ثم في السادس من مارس/آذار 2025، اندلعت هجمات واسعة النطاق، تركزت في الغالب في محافظتي اللاذقية وطرطوس -معقل الطائفة العلوية، حيث تشير دراسة أُجريت عام 2017 إلى أن العلويين يشكلون 58% و69% من سكان هاتين المحافظتين على التوالي- بالإضافة إلى العاصمة دمشق. وقد اجتاحت قوات سنية، ضمت "الجيش الوطني السوري" المدعوم من تركيا ومقاتلين جهاديين أجانب، المناطق العلوية، حيث أقدمت على إحراق المنازل وقتل السكان دون تمييز.
سعت "هيئة تحرير الشام" إلى تصوير نفسها كقوة تدافع عن البلاد ضد تمردٍ تقوده "عناصر موالية للأسد"؛ وهو طرحٌ تبنته على نطاق واسع وسائل الإعلام الدولية، بل وحتى محللون جادون. لكن العلويين -الذين عانوا كثيراً في ظل حكم عائلة الأسد، لا سيما خلال الحرب الأهلية- تخلوا عن الأسد بشكل جماعي في لحظة حرجة كان بإمكانهم فيها إنقاذه. وبعد ثلاثة أشهر، بينما كان الأسد يقبع في روسيا، وقد تلاشى الدعم الإيراني، ودمرت القوات الإسرائيلية ترسانات النظام القديم بأكملها، لم يبادر العلويون إلى خوض أي معركة دفاعية أخيرة لحمايته. وبدلاً من ذلك، جاءت الهجمات التي شنتها "مجموعات مقاومة" ضد القوات الحكومية مدفوعةً بمخاوف من التعرض للاضطهاد. (وفي ادعاءٍ يثير الاستغراب بقدر ما يحمل طابعاً استفزازياً، زعم رامي مخلوف -ابن خال بشار الأسد، والذي يُعدّ ربما أغنى شخص في سوريا- أنه قام بتجنيد 150 ألف مقاتل لحماية الطائفة العلوية في محافظتي اللاذقية وطرطوس).
خلال فترة الحرب الأهلية، كان بوسع السنّة التعبير بحرية عن غضبهم تجاه العلويين. لكن في عام 2025، وُضعوا تحت ضغوطٍ تُلزمهم بضبط النفس والتحلي بأفضل سلوك، وذلك لمساعدة "الشرع" في إقناع المنظمات غير الحكومية والحكومات الأجنبية بقبول نظامه وتقديم الدعم له. ومع ذلك، فإن الغوص تحت السطح يكشف بوضوح أن هجمات شهر مارس كانت أعمالاً انتقامية لما وصفه أحد علماء الدين السنّة، عبد الله خليل التميمي، بأنه "قتل مليوني سنّي على يد النظام العلوي... على أسس طائفية". وقد شهد غاريث براون، من مجلة "الإيكونوميست"، بنفسه "دعوات للجهاد" في المساجد وأماكن أخرى، مما دفع الآلاف لحمل السلاح والتوجه نحو المناطق ذات الأغلبية العلوية. وفي دمشق، حثّ أحد المذيعين الإذاعيين مستمعيه على "إلقاء العلويين في البحر". وقد وثقت مقاطع فيديو بعضاً من هذه المشاعر؛ حيث ظهر قائدٌ تابعٌ لهيئة تحرير الشام وهو يصرخ قائلاً:
"يا مجاهدي الجهاد، لا تتركوا علوياً واحداً، ذكراً كان أو أنثى، على قيد الحياة. اذبحوا أكثر رجالهم وجاهةً، واذبحوا أكثر نسائهم مكانةً. اذبحوهم جميعاً، بمن فيهم الأطفال في أسرّتهم. إنهم خنازير؛ اقبضوا عليهم وألقوا بهم في البحر".
وعندما دعا يحيى أبو الفتح الفرغلي -وهو إمام كان مرتبطاً سابقاً بهيئة تحرير الشام- إلى نقل الجهاديين وعائلاتهم إلى المناطق ذات الأغلبية العلوية، كان ذلك تلميحاً إلى عملية تطهير عرقي.
اضطهاد العلويين، 2025 وما بعدها
وفي ظل شعورهم بالفخر بما اقترفوه، قام العديد من الجناة السنّة بتسجيل مقاطع فيديو لأفعالهم، مثل قتل ابنين أمام أعين والدتهما. وصرخ أحد الرجال -بينما كان ينهب منازل العلويين ويضرم فيها النيران- قائلاً: "هذا انتقام!". وتذكر مجلة "الإيكونوميست" أن السنّة عمدوا إلى إذلال العلويين؛ فأجبروهم على "النباح كالكلاب، بينما امتطوهم وركبوا على ظهورهم، ثم أردَوْهم قتلى بالرصاص". كما أظهرت مشاهد أخرى "عشرات الجثث التي تحمل آثار رصاص في الرأس... مصطفةً في قرى خارج اللاذقية"، أو "جثثاً لعلويين تُسحل خلف السيارات في الشوارع". غالبًا ما تتضمن مقاطع الفيديو صرخات انتصار بعبارة "الله أكبر"، وهي صيحة الجهاد الإسلامي في المعارك. وقد أفاد مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان بأنه جمع "شهادات عديدة" تشير إلى أن "الجناة داهموا منازل، وسألوا السكان عما إذا كانوا من العلويين أم السنة، قبل أن يقرروا قتلهم أو إبقاءهم على قيد الحياة بناءً على ذلك"؛ وهو نمط أكدته أيضًا منظمة العفو الدولية. وتُعد هذه الحوادث بمثابة عقاب جماعي ضد العلويين، بغض النظر عما إذا كانوا قد دعموا نظام الأسد أو عارضوه.
وقد أدلى علويون بشهادات حول معاناتهم؛ إذ روى طبيبٌ كيف أُبيدت عائلات بأكملها، حيث "دخل مسلحون سنة إلى المنازل ونفذوا عمليات قتل جماعي بحق جميع العلويين". ووصف أحد الأشخاص كيف كان "جهاديون سنة" يتنقلون من منزل إلى آخر، ويعدمون السكان ميدانيًا وينهبون كل ما يجدونه. وأوضح آخر قائلاً: "إنهم يقتلوننا، ويستهدفون العلويين. لقد شتمونا، وأطلقوا النار علينا، وأحرقوا ممتلكاتنا. كما يجبرون الناس تحت تهديد السلاح على التنازل عن أموالهم ومنازلهم وسياراتهم... وهم يلقون براميل متفجرة من الطائرات على قرانا، وينهبون المنازل، ويحرقوننا أحياءً بعد تنفيذ عمليات إعدام جماعية بالرصاص أو الذبح". وفيما يتعلق بـ "البراميل المتفجرة التي تُلقى من الطائرات"، ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن القوات الحكومية استخدمت مروحيات مجهزة برشاشات وقنابل أعماق روسية الصنع -كانت مخصصة أصلاً لمكافحة الغواصات- بعد تعديلها لهذا الغرض.
كما ظهر شكل آخر من أشكال الاضطهاد، لا يزال يكتنفه الغموض، وهو اختطاف شابات علويات. وقد أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان (SOHR) بوقوع 50 حالة اختفاء من هذا النوع خلال الأشهر الثلاثة ونصف الأولى من عام 2025. ورغم أن حالات الاختفاء هذه تذكّر بما تعرضت له النساء الإيزيديات في العراق، إلا أنها لم تصل -على ما يبدو- إلى المستويات ذاتها من حيث الأعداد أو الانتهاكات الجنسية، وإن كانت قد وردت تقارير عن حالات تعذيب.
وكشف تحقيق معمق أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" حول الأحداث في بانياس عن وقوع مذبحة راح ضحيتها نحو 1600 شخص، معظمهم من العلويين. وجاء في التحقيق: "على مدى ثلاثة أيام، تنقل مسلحون من منزل إلى آخر، ونفذوا عمليات إعدام ميدانية بحق المدنيين وأطلقوا النار في الشوارع... كما شارك بعض جنود القوات الحكومية، الذين أُرسلوا لاستعادة النظام، في عمليات القتل هذه". وبعد موجة القتل تلك، "كانت الجثث ملقاة في كل مكان". «ممددون على أرضيات غرف المعيشة، أو منحنون في بساتين الحمضيات، أو ملقون على الطرقات تغطيهم الدماء». ولمنع العلويين من الفرار من بانياس، أقام المسلحون نقاط تفتيش. وفي مواجهة ذلك، لجأت بعض النساء العلويات إلى ارتداء الحجاب للتمويه والظهور بمظهر السنيّات، وذلك حين كنّ يواجهن السؤال الحتمي -الذي كان يُطرح عليهن مراراً وبنبرة تهديدية-: «هل أنتِ سنية أم علوية؟».
لقد طال الخوف حتى الجثث؛ إذ شهد أحد العلويين بالقرب من حمص قائلاً: «بالقرب من منزلنا توجد 15 جثة، ولا يملك أحد الشجاعة لرفعها منذ يوم أمس». وتفيد منظمة العفو الدولية بأن «السلطات أجبرت عائلات الضحايا على دفن ذويهم في مقابر جماعية، دون إقامة أي طقوس دينية أو مراسم عامة».
على الرغم من تراجع حدة العنف بعد أوائل شهر مارس/آذار، إلا أن حوادث المضايقات والابتزاز والاعتداءات استمرت؛ حيث وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان (SOHR) وقوع نحو ثلاث عمليات قتل يومياً. وتشير استطلاعات أجرتها مجلة "الإيكونوميست" إلى أن العلويين أكثر تشاؤماً بسبع مرات تقريباً من السنة فيما يتعلق بمستقبل سوريا، وهي نظرة دفعت الكثيرين منهم إلى الهجرة. وفي منتصف أبريل/نيسان، أحصت الأمم المتحدة فرار 30 ألف علوي إلى لبنان؛ وتُظهر المقابلات معهم حالة من اليأس إزاء التطورات في سوريا، مع غياب أي نية للعودة. كما أكدت وزارة الخارجية الروسية أن أكثر من 8 آلاف سوري، معظمهم من النساء والأطفال، لجأوا إلى قاعدة "حميميم" الجوية الروسية في سوريا. وفي هذا السياق، لخّص رجل يبلغ من العمر 36 عاماً من اللاذقية -كان يختبئ في مبنى مهجور- المأزق قائلاً: "بصفتي علوياً، لا أرى أي مستقبل لي هنا في سوريا".
وفي المقابل، قام العديد من الجناة من الطائفة السنية -متباهين بأفعالهم- بتوثيق ممارساتهم عبر مقاطع فيديو، تضمنت -على سبيل المثال- قتل ابنين أمام أعين والدتهما. وصرخ أحد الرجال بينما كان ينهب منازل العلويين ويضرم فيها النيران قائلاً: "هذا انتقام". وذكرت مجلة "الإيكونوميست" أن السنة قاموا بإذلال العلويين، إذ أجبروهم "على النباح كالكلاب، بينما امتطوهم وركبوا على ظهورهم، ثم أردَوْهم قتلى بالرصاص".
وأمام هذا المشهد الدموي، جاء رد فاروق الشرع هادئاً، حيث قال: "ما يحدث حالياً في سوريا يندرج ضمن التحديات المتوقعة"... "علينا الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي"... "ندعو السوريين إلى الاطمئنان، فالدولة تمتلك مقومات البقاء". كما بادر الشرع بتشكيل لجنة تحقيق. وفي غضون ذلك، أفاد موقع "المونيتور" بأن حليف "هيئة تحرير الشام" في أنقرة وصف هذه الاشتباكات بأنها "محاولة من جانب إيران وإسرائيل لإضعاف حكومة الشرع"، وتعهّد بزيادة الدعم المقدم له.
يجلب القبول الغربي فوائد مالية وغيرها الكثير. ونظراً لأن قادة "هيئة تحرير الشام" قد خرجوا من عباءة تنظيمَي "القاعدة" و"داعش"، فإن ارتداءهم للسترات الرسمية أو البدلات وربطات العنق -مقترناً بتبنيهم لخطابٍ براقٍ حول حقوق الإنسان وإلقائهم باللوم في أعمال العنف على العلويين- يضفي على المشهد طابعاً مسرحياً. وفي الواقع، فإن المذابح التي وقعت في أوائل شهر مارس تثير مزيداً من الشكوك حول مدى صدق "هيئة تحرير الشام". وكما تشير دينا ليسنيانسكي، الباحثة في جامعة تل أبيب: "من الواضح تماماً أن هذه الأحداث ما كانت لتحدث لو لم يرغب فيها النظام المركزي؛ فهي ليست مجرد مبادرات إسلامية محلية. فالمشاركون في عمليات القتل هذه قاتلوا لسنوات تحت قيادة 'الشرع'، وهم لا يتمردون عليه فجأة، بل يواصلون ببساطة تبني الأيديولوجية ذاتها". ويذهب زميلها مايكل ميلشتاين إلى أبعد من ذلك قائلاً: "لقد رأيت رجاله وهم ينفذون تلك المذابح".
ردود الفعل الخارجية
خلال ربع القرن الممتد من الاستقلال وحتى استيلاء حافظ الأسد على السلطة (1946-1970)، تحولت سوريا إلى ساحة صراع لجيرانها الأقوى؛ وهو وضعٌ يلخصه بدقة عنوان كتابٍ شهير صدر عام 1965 بعنوان "الصراع من أجل سوريا". وبعد أربعة عقود من الاستقرار القائم على الاستبداد (1970-2010)، أعادت الحرب الأهلية التي اندلعت بين عامي 2011 و2024 إحياء "الصراع من أجل سوريا"؛ حيث باتت البلاد ساحةً تتواجد فيها فصائل مسلحة محلية متعددة، وقوى إقليمية (تركيا وإيران وإسرائيل)، بالإضافة إلى قوتين عظميين (روسيا والولايات المتحدة).
لكن هذا الصراع المتجدد في سوريا يختلف في جانب جوهري واحد عن سابقه؛ إذ تحول الاضطهاد الذي كان يمارس ضد العلويين -والذي اتسم في ذلك الوقت بطابع روتيني تقريباً- إلى أمر أكثر فظاعة بكثير. ويقدر أحد المصادر العلوية أعداد الضحايا بعشرات أو حتى مئات الآلاف. بل إن بعض المحللين باتوا يصفون الوضع بأنه "إبادة جماعية". وقد ندد الكاتب السوري الكردي موسى بصراوي بما أسماه "حملة إبادة جماعية منظمة... تهدف إلى القضاء على العلويين". كما أصدرت منظمة "التضامن المسيحي الدولية" (Christian Solidarity International) تحذيراً من وقوع "إبادة جماعية"، مشيرة إلى "سلسلة من عمليات القتل الممنهجة والمستهدفة، المصحوبة بخطاب كراهية يجرّد الضحايا من إنسانيتهم".
![]() مظاهرة نادرة لصالح العلويين، في لوس أنجلوس بتاريخ 26 أبريل 2025. |
أما الحكومات الغربية؟ فواشنطن "تدين الإرهابيين الإسلاميين المتطرفين، بمن فيهم الجهاديون الأجانب، الذين قتلوا أشخاصاً في غرب سوريا خلال الأيام الأخيرة". وكانبرا "تدين أعمال العنف المروعة الأخيرة في المنطقة الساحلية بسوريا"، وتُبدي "قلقاً بالغاً إزاء تقارير الأمم المتحدة التي تفيد بإعدام العديد من المدنيين من الطائفة العلوية ميدانياً". ومن جانبها، تندد الأمم المتحدة بـ "انتهاكات وتجاوزات مروعة".
وفي تناقض صارخ مع هذه الكلمات الرنانة، أسفر اللقاء بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب و"الشرع" عن رفع العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، دون أي شروط أو مطالب واضحة تتعلق بأمن العلويين أو غيرهم من الأقليات. ويبدو أن القوى الخارجية - باستثناء إسرائيل - قد تخلت عنهم تماماً.
لقد أدى تقاعس الولايات المتحدة خلال الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 إلى تقديم اعتذارات لاحقة (حيث قال بيل كلينتون: "أعرب عن أسفي لفشلي الشخصي")، وهو ما حدث أيضاً مع الإخفاقات الهولندية بعد ذلك بعام في البوسنة (حيث صرحت وزيرة الدفاع كايسا أولونغرين قائلة: "نقدم أعمق اعتذاراتنا"). إن الخطر المحدق بالعلويين في سوريا اليوم واضح وجلي؛ فهل سيكتفي السياسيون مجدداً بتقديم الاعتذارات بعد فوات الأوان؟
دانييل بايبس (DanielPipes.org، @DanielPipes) هو مؤسس "منتدى الشرق الأوسط" (Middle East Forum). يستند هذا المقال إلى كتبه الثلاثة حول سوريا، بالإضافة إلى تحليلٍ وضعه عام 1987 بعنوان "سوريا بعد الأسد". © 2025 دانييل بايبس. جميع الحقوق محفوظة.
تحديث 4 يونيو 2025: لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، طالع مدونتي: "تحديثات حول اضطهاد العلويين".






