تجاوز العنوان المبالغ فيه واستعجال الناشر في إصدار الكتاب عقب ثورة سوريا في ديسمبر 2024؛ إذ تكمن جاذبية الكتاب وقوته في قدرته على استحضار ما يقرب من 55 عاماً من الحياة في ظل حكم عائلة الأسد -الأب والابن- خلال الفترة الممتدة من 1970 إلى 2024. ورغم أن المؤلفة سورية وتعرف البلاد عن كثب، إلا أن رؤيتها للأمور تعكس حساسية ليبرالية غربية (إذ تُعد الإنجليزية لغتها الأم). وهي تصف نفسها بأنها "كاتبة سورية المولد، ومستشارة في السياسات والدبلوماسية، وخبيرة استراتيجية في مجال الاتصالات"، وقد نجحت في تصوير الطبيعة الساخرة والعبثية والوحشية وغير المنطقية لحقبة الأسد ببراعة تفوق ما قرأته لأي كاتب آخر.
وتُقدم المؤلفة حكايةً توضح مضمون كتابها وأسلوبها؛ ففي إحدى المرات، وبدعوة من قريب لها يعمل في المصرف المركزي السوري "للقيام بجولة والتعرف على بعض الزملاء"، انخرطت "علاف" معهم في أحاديث ودية مطولة حول أحوال عائلاتهم الصحية. ثم "أشار أحدهم إلى أن الوقت قد تأخر [في الصباح] وأن الجميع ربما يشعرون بالجوع"، فقام موظفو المصرف المركزي بإزاحة الملفات جانباً، و"رتبوا ألواح التقطيع والأطباق، وأخرجوا مكونات التبولة". وبعد ذلك، أخرجوا "البقدونس والبصل الأخضر والطماطم المفرومة ناعماً... ليخلطوها مع البرغل الناعم المنقوع مسبقاً، ويضيفوا إليها التوابل وزيت الزيتون البكر وعصير الليمون". وعندما دخل المشرف، انضم هو الآخر إلى هذا المشهد المبهج. وتتأمل "علاف" في هذه "الآلة الضخمة للقطاع العام التي كانت موجودة لذاتها فقط، والتي أدت إلى تدهور الإنتاجية والكفاءة، وأصابت المواطنين بالإحباط والاستنزاف وهم يواجهون جحيم البيروقراطية البعثية".
وتنتقل "علاف" بعد ذلك لتناول الحرب الأهلية (2011-2024) التي أدت إلى إسقاط النظام، حيث تتابع الأحداث بكفاءة واقتدار؛ إلا أن تغطيتها لحقبة حكم الأسد هي التي تمنح كتاب "بدأ الأمر في دمشق" (It Started in Damascus) طابعه المميز.

